محمد الريشهري

259

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - إلى جوار ما كانت تعيشه الأُمّة من تعاليم سيرته الوضّاءة التي يُتحفها بها من أجل هدايتها واستقامتها على الطريقة ، وجعلها الأُمّة الوسط - كان يدلّ على القدوة في هذا المجال ، ويؤكّد تمسّك المسلمين بسيرة العترة التي كان يعرّفها للأُمّة بوصفها المثال البارز للاعتدال والوسطيّة ( 1 ) . وقد أشار الأئمّة ( عليهم السلام ) إلى منزلة أهل البيت ومكانتهم ، من ذلك دعاء الإمام السجّاد ( عليه السلام ) في الصلوات الشعبانيّة ، حيث جاء فيها : اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد الفُلك الجارية في اللُّجج الغامرة ؛ يأمن من ركبها ، ويغرق من تركها ، المتقدّم لهم مارق ، والمتأخّر عنهم زاهق ، واللازم لهم لاحق ( 2 ) . وهكذا نبّه أئمّة الدين الناسَ على لزوم الاعتدال في الفكر والحياة ، وأكّدوا ذلك . ويمكننا أن نُدرك من هذا كلّه أنّ الخروج عن جادّة الاعتدال ، والسقوط في حضيض الإفراط والتطرّف لا يستتبع إلاّ الشذوذ ، وربّما الانجراف مع تيّار الفساد . ومثّل الخوارج - في نطاق الثقافة الإسلاميّة - تيّاراً متطرّفاً ذا مواقف حادّة متشنّجة بعيدة عن الاعتدال ، ونُعتوا في الأحاديث النبويّة بصفة " التعمّق " : " إنّ أقواماً يتعمّقون في الدين يمرقون كما يمرق السهم من الرمِيّة " . ونتناول هذا الاصطلاح فيما يأتي بإيجاز قبل أن نتحدّث عن جذور تيّار الخوارج .

--> ( 1 ) راجع : كتاب " أهل البيت في الكتاب والسنّة " . ( 2 ) مصباح المتهجّد : 361 / 485 عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) وص 828 / 888 ، الإقبال : 3 / 300 كلاهما عن مجاهد ، المزار الكبير : 401 / 1 عن العبّاس بن مجاهد ، بحار الأنوار : 90 / 20 .